إنعكاسات أزمة السعودية الإقتصادية في الحرب على اليمن .. وماذا وراء تصريحات السفير البريطاني مايكل آرون المتفائلة بالخروج من “الأزمة”؟
2020-06-13 | منذ 1 سنة    قراءة: 327
طالب الحسني
طالب الحسني

✍️ طالب الحسني

لنقل في مطلع هذه المقالة أن الأحداث المتتالية في العالم من بينها كوفيد 19 وتداعيته السياسية والإقتصادية على العالم ، ساعدت السعودية في إخفاء أزمتها المعقدة في اليمن ، نحن نتحدث عن حرب دخلت الربع الثاني من عامها السادس على التوالي .

كمعنيين بدرجة كبيرة بهذه الحرب وانعكاساتها ، فإننا بتنا نرى غرق السعودية وتحالفها في اليمن من ثلاثة أبعاد ، الهزيمة العسكرية ، والتداعيات الاقتصادية الكارثية ، وفشل الرياض في احتواء أدواتها الذين يقتتلون في الجنوب اليمني منذ اكثر من ثلاثة أعوام .

لقد تسببت الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة في السعودية بمضاعفة صعوبة الخروج من اليمن حتى بحمل ثقيل من الخسائر العسكرية والسياسية والمستقبلية ، ليس بإمكان أحد القول أن وضع السعودية مريح وهي تتجه نحو أسوأ الاحتمالات بعد أن قلصت الإنفاق المباشر على الحرب العدوانية التي تقودها نتيجة هذه الأزمة ، في المقابل لا تأمل في الحلول السياسية مع الطرف المنتصر ، أعني هنا المجلس السياسي الأعلى الحاكم ( أنصار الله الحوثيين وحلفائهم المؤتمر ) إذ أن الأرضية التي يجب أن تقف عليها المفاوضات السياسية إن أجريت لن تترك للرياض أي مكان لوضع شروط كما كان ربما متوفر قبل 4 أعوام على الأقل ، عليها حاليا أن تتسلم شروط من صنعاء ، أو أن تبقي الحرب مفتوحة وهذه الأخيرة ليست لصالحها ، على العكس لقد بدأت تجرها إلى حالة شديدة التعقيد ومنعدمة الخيارات .

من يتتبع جيدا تأريخ هذه الحرب سيجد أن التحالف الذي تقوده السعودية اتجه تدريجيا إلى رسم صورة سوداوية لنهايات حتمية مظلمة ، فمنذ 2017 فقدت الرياض القدرة على التأثير ، والقدرة على الاستقطاب ، الاستقطاب كان عمود السياسة السعودية في اليمن لنحو ثلاثة عقود ، ذلك يعني أن فرصها كانت تقل تدريجيا ، الفرص هنا السياسية ـ أما العسكرية فقد تلقت انتكاسة كبيرة في العام الأول من العدوان، لم يكن هناك استراتيجية لحرب طويلة ، هذا يعود إلى سوء التقديرات التي اعتمدت عليها السعودية قبل وبعد إعلان عاصفة الحزم في مارس 2015 ، ومثلما لم تكن حظوظها جيدة في الحرب والسياسة ، لم تكن حظوظها جيدة مع الوقت ، لم تعطي السنوات الطويلة من الحرب أي ميزات للرياض كما توقعها محمد بن سلمان وتحدث عنها في 2016 خلال مقابلته التلفزونية ” الشهيرة ” مع دواوود الشريان .

الذين يعودون إلى العاصمة صنعاء من المقاتلين الذين جندهم التحالف في السابق بالمئات كأفراد ، وبالعشرات كقيادات من الدرجة الثانية والثالثة ، أضعاف هولاء تركوا المعسكرات وأغلقوا هواتفهم ، ومثل هولاء غادروا الرياض إلى عواصم مناهضة للسعودية ، الدوحة ، أنقرة ، يشعر الكثير منهم بالخذلان ويعترف البعض منهم أن خدعوا ، حالة متناقضة تماما مع ما كان يحصل في الشهور الأولى من التدخل السعودي الإماراتي المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأوروبية ، نحن إذا أمام انتكاسة سعودية يفرض عليها التسليم بنتائج لم تكن تفكر مطلقا أن تقبل بها .

صحيح أن الطرف المقابل في العاصمة صنعاء يواجه الكثير من الصعوبات الإقتصادية نتيجة استمرار الحرب واستمرار الحصار واستمرار الأزمة الانسانية الأسوأ في العالم ، ولكن هذا أفضل بكثير من الهزيمة والتسليم بتسوية سياسية كانت ستقودهم إلى وضع مختلف ، وبالتالي ما يجري حاليا يخدم التمسك بخيارات الحفاظ على مكتسبات التغيير ومكتسبات الانتصار على تحالف اقليمي ودولي ، مع بقاء الكثير من التحديات أمامهم ، من بينها التغلب في معركة الإصلاح السياسي والإقتصادي ومحاربة الفساد ، المعركة الداخلية وقعها كبير على الاستقرار خاصة إذا اتجهت نحو الإطاحة بنافذين استغلوا فترة العدوان وهم قليل جدا بالمقارنة بما كان سابقا .

نعود إلى أزمة السعودية الاقتصادية وانعكاسها في اليمن ، لقد اضطرت الرياض في تسريح عدد كبير مع المعسكرات التي فتحتها في الحدود اليمنية السعودية وجلبت إليها الآلاف من المرتزقة ، الوضع المالي أحد الأسباب الرئيسية في تسريح هذه المعسكرات بالتزامن مع اجراء مفاوضات سعودية يمنية سرية في العاصمة العمانية مسقط تسرب الكثير منها للإعلام ، تركز المفاوضات بشكل كبير على محاولة إيقاف الهجمات اليمنية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة ، أثقل تلك الهجمات ضرب أرامكو في ابقيق وخريص في سبتمبر 2018 ، المفاوضات السرية في مسقط أوصلت رسائل مباشرة إلى حلفاء وأدوات السعودية ومن بينها ” الشرعية ” المزعومة ، أن السعودية باتت تشق طريق خاصة بها لتجنب مزيد من الخسائر مقابل التخلي عنها ، لقد قال محمد اليدومي رئيس الهيئة العليا للتجمع اليمني للإصلاح ( إخوان اليمن ) وهو يشير إلى السعودية والتحالف أن على هذا الأخير ألا يتركهم في منتصف الطريق ، إنها عبارة واضحة تحمل دلالة أن الحرب لم تكتمل وأن تركهم في منتصف الطريق هو يعني بالضرورة تركهم لمصيرهم ، هذا ما يحصل بعد عامين من خطاب اليدومي ، فمدينة مارب شرق اليمن وهي آخر معاقل الإخوان المسلمين في اليمن على بعد أمتار من الجيش اليمني واللجان الشعبية الذين استعادوا شقيتها محافظة الجوف آواخر العام الماضي ومطلع هذا العام 2020، للأزمة الاقتصادية السعودية نصيب في هذه الانتكاسة لحلفائهم .

في الضفة المقابلة وصلت الرياض إلى طريق مسدود في إيجاد تسوية مرضية مع الإمارات وهي شريكها المتبقي لحل وايقاف الإقتتال بين وكلاء الدولتين جنوب اليمن ، النزاع السياسي والعسكري يتجاوز عامه الثالث ووضع صخرة كبيرة أمام طريق السعودية للخروج من الحرب في اليمن بأقل الخسائر ، انتهجت الرياض في هذه الأزمة سياسة مسك العصا من الوسط ، فهي لا تريد أن تخسر معسكر الإنتقالي الذي يطالب بفك الإرتباط وأسسته الإمارات عسكرية وسياسيا وفي المقابل لا تريد أن تخسر معسكر هادي والإصلاح الذين يمثلون ” الشرعية ” المزعومة ، على أنها وضعت خارطة لنفوذ المعسكرين ورسّمت جغرافية تواجد الطرفين من خلال اتفاق الرياض 5 نوفمبر 2019 الذي فشل هو الآخر.

من الصعب إيجاد تسوية لا تشمل أن تتخلى السعودية عن طرف وتدخل في مجازفة أنهاء الطرف الأخر ، ستكون في حالة الحرب على نفسها دون أن تصل إلى نتيجة يساعدها على الخروج من الحرب بنصف المكاسب التي توقعتها عندما اختارت أن تدعم المعسكرين وتضمهم إلى التحالف لتقويته في الحرب الشاملة على اليمن ، بالتالي تحول البقاء في حالة الصراع إلى محرقة للأموال ، مع الأزمة الاقتصادية والعجوزات السنوية في الميزانية السعودية يستحيل الاستمرار في هذا الطريق ، من هنا تأتي الإشارة إلى تصريحات السفير البريطاني لليمن مايكل آرون للشرق الأوسط ( السعودية ) متحدثا عن مناخ إيجابي لحل الأزمة في اليمن دون أن يتحدث كالعادة عن مرجعيات تحرص السعودية على تكرارها مع أي حديث عن المفاوضات .

كالعادة لا يمكن التعويل على هذه التصريحات واعتبارها بوابة لاقتراب إنهاء أزمة السعودية في اليمن على الرغم من اللغة المتفائلة التي حملتها التصريحات ، ولكن يمكن رؤية رغبة الرياض في الخروج من الحرب قبل نهاية هذا العام ، الرغبة السعودية هذه المرة مصحوبة بالخوف من مجيئ الديمقراطيين المتوقعة للبيت الأبيض على حساب ترامب و ” صقوره ” المتطرفين في دعم محمد ابن سلمان واستمرار الحرب العدوانية على اليمن..



مقالات أخرى للكاتب

  • ما القوة التي تمنع إنشاء قواعد عسكرية أمريكية واسرائيلية وخليجية في جزيرة سقطرى وسواحل اليمن ؟ ولماذا يتم الإكتفاء بنشر مليشيات موالية لهذه الدول

  • التعليقات

    إضافة تعليق