لقطات رمضانية(26)..بروج عاجية ومصارف غائبة
2020-05-21 | منذ 2 أسبوع    قراءة: 18
حسن الوريث
حسن الوريث

✍️حسن الوريث

وصلت العصفورة إلى البيت وشكلها يبدو عليه الانزعاج الشديد والاكتئاب وحين سألها صديقنا الصغير عبد الله عن سبب حالتها وهل تريد ماء أو طعام ؟ قالت له شكرا لك .. نفسي مسدودة ولا اريد شيء فلو انكم تشاهدون وتسمعون ما اشاهده واسمعه انا لربما كانت حالكم كحالي .. حاولت انا وصديقي الصغير أن نخفف عنها وقد تبرع عبد الله بإحضار الماء والحبوب لها وتهدئتها وعندما بدأت تهدأ تحدثت بحديثها الذي جعلها تتعب كثيرا وتمتنع عن الأكل والشرب .
قالت العصفورة .. وجدت امرأة ومعها ثلاثة من أطفالها وهم في حالة يرثى لها من التعب والإرهاق الشديد وربما لا يكاد الأطفال يتحركون الا بصعوبة فقررت النزول إليهم وسمعت المرأة تقول لهم .. اصبروا يا أولادي وانتظروا هنا وسوف أذهب إلى ذلك البيت كي أحضر لكم ماء وإن شاء الله نلقى لكم أي شيء تاكلونه وراقبت المرأة التي طرقت البيت وطلبت ماء لأطفالها وفي نفس الوقت قالت لتلك المرأة التي فتحت لها الباب هل تريدون امرأة تساعدكم في أعمال البيت ولو باي مقابل المهم اجد ما اشتري به طعام لاطفالي ووالدهم المقعد في البيت ولما أكثر من يوم ونصف انا واطفالي لم نجد ما ناكله الا الشيء اليسير ودخلت المرأة وعادت وفي يدها ماء وبعض الأكل للأطفال اما الام فهي بالتأكيد صائمة وبالنسبة للعمل فقد اعتذرت صاحبة البيت وأنهم ليسوا بحاجة من يساعدهم .. صديقي العزيز كان يستمع إلى الحكاية والدموع تكاد تقفز من عينيه تأثرا بما يسمع من العصفورة عن حالة المرأة وأطفالها.. وقال أين هذا المكان وانا ساذهب مع والدي لمساعدتهم .. وبالفعل فقد خرجنا مع العصفورة ولكننا للاسف لم نجد تلك المرأة مع أطفالها فقد عادوا إلى بيتهم بعد أن حصلوا على القليل من الأكل وعندما عدنا انا وصديقي الصغير والعصفورة إلى البيت كان صديقنا العزيز في قمة التأثر والحزن لأنه لم يتمكن من مساعدة هذه المرأة وأطفالها.
قلت له ياصغيري العزيز لا تحزن .. ان شاء الله ستجدها ونساعدها لكنه قال لي هل يمكن ان يكون هناك أشخاص لا يجدون ما يأكلون أكثر من يوم ونصف ؟ فقلت له وأكثر من ذلك ياعزيزي بل أن هناك عشرات الالاف من الأسر الفقيرة التي لاتجد قوت يومها ولاتجد من يساعدها .. لكنه قاطعني بقوله من المفروض ان يكون مسئول على هذه الأسر؟ قلت له نحن جميعا مسئولين ابتداء من الدولة مرورا بالاغنياء وصولا إلينا جميعا فكل واحد منا يفترض أن نتعهد جيرانه ويسأل عنهم وعن أحوالهم ويقدم لهم ما يقدر عليه .. لكنه أعاد السؤال مرة أخرى وبشكل ذكي .. من هي الجهة المسئولة في الدولة على هؤلاء الفقراء ؟.. قلت له حاليا هيئة الزكاة هي الجهة التي يفترض أنها مسئولة عليهم .. فقال وأين هذه الهيئة من هؤلاء ؟ قلت له ياصديقي العزيز هيئة الزكاة ومسئوليها مشغولين بالتصوير في الإعلام والخطابات الرنانة كما يفعل رئيس الهيئة الذي يعيش في برجه العاجي ولا يعرف أن هناك آلاف الأسر الفقيرة لم تصل إليهم هيئته وان هناك آلاف المتسولين في الشوارع ينتظرون مشروعا حقيقيا من هيئته ينتشلهم من التسول ويقدم لهم بدائل مناسبة كما أنه لا يعلم أن هيئته تعتمد على آلية عقيمة في تسجيل الحالات التي تقدم لهم المساعدات فهو يعتمد على تخمين عقال الحارات ولم يقم بمشروع حصر حقيقي وبطريقة علمية من اجل تأسيس قاعدة معلومات تنطلق من الواقع وليس من التخمين .. كما ان رئيس الهيئة مشغول بتهديد الناس وتخويفهم وليس بترغيبهم وارشادهم بدفع الزكاة .. قال لي صديقي الصغير لكننا نسمع في التلفزيون أن هيئة الزكاة صرفت ثمانية مليارات ريال للفقراء .. قلت له ياعزيزي .. كلنا سمعنا لكننا لم نلمس لان الفقراء يملاون الشوارع والجولات وظاهرو التسول تنتشر وتتوسع ولن اعترف انا شخصيا بهذه الهيئة ورئيسها الا عندما أجد أن التسول اختفى وعندما تختفي ظاهرة الطوابير للمواطنين امام مراكز توزيع المساعدات الغذائية من المنظمات وعندما اشاهد مشاريع تمكين حقيقية وليس مشاريع توزيع لسلات غذائية مثلما تفعل المنظمات الدولية التي حولت الشعب اليمني إلى شعب متسول ينتظر هذه المساعدات التي يضغطون بها علينا .. وعندما اشاهد أن الهيئة قامت بمساعدة المرضى من الفقراء الذين تمتلىء بهم المستشفيات ولايجدون قيمة علاج بل أن بعضهم يموت ولا يستطيع أهله اخراج جثته بسبب الديون.. وعندما اشاهد أن الهيئة إنشأت مستشفيات للفقراء في المحافظات .. والأهم لن اعترف بالهيئة الا عندما يبتعد رئيسها عن نبرة الاستعلاء التي نشاهدها في خطاباته وعندما ينزل من برجه العاجي وتتحول مصارف الزكاة إلى واقع ملموس .. وكانت العصفورة تسمع حديثنا انا وصديقي الصغير وتهز جناحيها الصغيرين موافقة على كل ما طرحناه.. وقبل أن تغادر قالت نتمنى ان يسمع من يهمه الأمر ويعملوا على تصحيح أوضاع الهيئة لتقوم بدورها وان لا تبقى مشاريعنا للظهور فقط في الإعلام ونتمنى أن تستفيد الهيئة من تجارب بيوت وصناديق الزكاة في بعض البلدان التي نجحت وتحول فيها الكثير من مستحقي الزكاة إلى دافعين لها .. ورمضان مبارك..



مقالات أخرى للكاتب

  • معا لمواجهة كورونا (21)..كورونا بين التهويل والتهوين
  • لقطات رمضانية.. تجارة رابحة
  • لقطات رمضانية (15)..كورونا ساعة الخطر..

  • التعليقات

    إضافة تعليق