هيئة الزكاة مازال الغياب مستمر!!
2020-03-16 | منذ 2 شهر    قراءة: 158
حسن الوريث
حسن الوريث

✍️ حسن الوريث

وصلت العصفورة ويبدو من ملامحها الإنهاك والتعب الشديد فهي بالكاد ترفرف بجناحيها الصغيرين لتبلغني بأنها موجودة بحيث لم أعلم بوجودها لكن ابني وصديقي الصغير عبد الله انتبه لها وأخبرني بأنها موجودة وحين بدأت الحديث معها لاحظت أنها متعبة جداً ويبدو على ملامحها إرهاق سهر أو ما شابه ذلك.

قلت لها ما الذي حصل لك هل أنتي مريضة ؟ اجابتني بصوت منخفض قليلاً وشاحب ليس مرضاً لكنه التعب والإرهاق الجسدي والنفسي فقد كنت خلال اليومين الماضيين أتنقل في كافة شوارع العاصمة وانتقلت إلى بعض المحافظات لأجمع معلومات عن موضوع معين لمعرفة ما إذا كان الوضع الذي شاهدته هنا في صنعاء موجود في بقية المناطق والمحافظات وهذا هو سبب التعب والإرهاق الجسدي فقاطعتها والتعب النفسي من أيش حصل لك ؟ فردت سريعاً بقولها أنت هكذا ليس لديك صبر فأنا مازلت لم أدخل في الموضوع بعد .. فقال لها ابني وصديقي الصغير على مهلك ولا يهمك وذهب إلى داخل البيت زداء يماء وقليل من الحبوب لها وقال لها تفضلي وبعد أن تشربي وتأكلي سنسمع لتخبرينا ما الذي عندك .. فقالت لي ربما ان ابنك لديه حكمة وصبر اكثر منك .. فاعتذرت لها وقلت لها هاتي ما عندك ونحن نسمع ولن نقاطع أبداً .

قالت لي العصفورة .. بعد أن تحدثنا في موضوع خدمات الجمهور تركتك انت وابنك الصغير العزيز وذهبت للبحث عن موضوع اخر وقبل أن أغادر المكان شاهدت امرأة على مدخل السائلة فقلت ان هذا الأمر طبيعي ولكني وجدت في كل مدخل من مداخل السائلة امرأة وبعض المداخل امرأتين وبعض المداخل ثلاث نساء وأكثر مع أولاد صغار يقفون هناك يتسولون فقلت ان هذا الأمر غير طبيعي ولا بد من معرفة السبب فهبطت قليلاً فوجدت أن هؤلاء النساء متسولات فعدت وقلت أن الأمر شبه طبيعي فظاهرة التسول منتشرة بشكل كبير لكني قلت في نفسي أن الوضع ربما زاد عن حده ولا بد من المتابعة للموضوع حتى نعرف أكثر عنه فقررت أن اتنقل في صنعاء لمزيد من البحث لكني وجدت عجب العجاب فالتسول لم يعد طبيعياً فقد انتشر كالنار في الهشيم وصارت معظم جولات العاصمة صنعاء تمتلئ بهم وأبواب المساجد والمصالح الحكومية والمطاعم والبوفيات حتى أن الكثير من المتسولين استحدثوا أماكن جديدة بل والكثير منهم يأتي مع أسرته كاملة النساء والأطفال الصغار ويستحدثون مطبات في الشوارع لإجبار الناس على التوقف فيها بل أن البعض منهم اتخذ له سكن في جانب من الجولة .. قلت لها هذا الأمر معروف ونحن نشاهده وقد سبق وتحدثت أنا وصديقي الصغير عنه .. لكنها قالت لي أنت هكذا دائماً تقاطعني ولا تصبر حتى أنتهي من كلامي .. فاعتذرت لها مرة أخرى وقلت لها .. تابعي الموضوع .

قالت لي هناك بعض الظواهر الجديدة التي لا حظتها ومنها وجود أطفال وبنات صغار في عمر الزهور ترسلهم اسرهم إلى الشوارع للتسول وبطرق واساليب مخيفة جداً وسأخبرك بأني وخلال متابعتي للموضوع شاهدت سيارات وهي تأتي في الصباح لتوزيع المتسولات في بعض الأماكن ثم تأتي في المساء وتأخذهن ومنهن امرأة عجوز لا تكاد تقدر على المشي في ميدان التحرير في الظاهر أنها تبيع كتيبات صغيرة لكن في الواقع أنها تتسول فقلت في نفسي انزل أتحدث معها لأعرف لماذا وهي في هذه السن يتركها أهلها واسرتها بهذا الشكل المهين فقلت لها هل لديك ابناء أو اقارب يهتمون بك بدلاً من هذه الشحططة والبهذلة فما كان منها إلا أن بكت وانهمرت دموعها وقالت لي اتركيني في حالي وابتعدي عني وخلال محاولاتي وجدت عدد من كبار السن يحمل كل منهم عصاء في يده ويتوزعون في مختلف الجولات للتسول وكأن هناك أمر منظم وليس عفوي وهناك الكثير والكثير من الحكايات التي ربما تحتاج إلى مجلدات للحديث عنها .. فقلت لها كلامك صحيح لكن ما الذي جعلك تذهبين إلى المحافظات هل هو نفس الموضوع أم موضوع أخر ؟ قالت لي انا قلت انزل للمحافظات اشوف إذا كانت هذه الظاهرة موجودة فيها أم لا ؟ وبالفعل وجدت ظاهرة التسول منتشرة وموجودة بل أن هناك أمور اسوأ مما هو في صنعاء فالطرقات بين المحافظات تمتلئ بهم لكن الأمر الذي يبعث على الحسرة والألم أن الكل يتفرج على الأمر وكأنه لا يعني أحد ولم نعرف من هي الجهة المسئولة على الموضوع .

قلت لها كلامك صحيح فكل جهة تعمل أذن من طين واذن من عجين وكل جهة ترمي باللوم على الجهة الأخرى فالداخلية تقول أن الموضوع على الشئون الاجتماعية التي بدورها تقول أن الأمر فوق طاقتها وان الجهة المسئولة هي هيئة الزكاة على اعتبار أن هذه الفئة من الفقراء الذين تجب لهم الزكاة وفقاً لمصارفها التي حددها الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم وهيئة الزكاة تعمل في واد أخر وتقول أن المتسولين ليسوا من اختصاصها وأن هذه الفئة لا تدخل في نطاق عملها ابداً رغم أن المتسولين من الفقراء والمحتاجين الذين يتوجب تقديم جزء من أموال الزكاة لهم .. قالت لي العصفورة أعتقد أن الخلل الذي تتحدث عنه يرجع إلى التداخل في مهام واختصاصات الجهات وتضارب القوانين إضافة إلى تهرب كل جهة عن القيام بمسئولياتها وكل جهة فقط تبحث عن الجباية والجباية فقط وعند العمل الكل يهرب وهذا ما لاحظته خلال تجوالي في المكاتب والمحافظات فالتهافت على جمع الإيرادات ليس إلا اما العمل فهو ابعد شيء عن الجميع وسأقول لك بأني وخلال زيارتي للمحافظات خرجت بأشياء كثيرة سنتحدث فيها لاحقاً لأنها مهمة جداً وتحتاج منا إلى إبلاغ من يهمه الأمر لمعالجتها .

قالت لي ما رأيك في الموضوع ؟ وماهي الرسالة التي يمكن ان توجهها ولمن ؟ وكان ابني وصديقي الصغير مازال بجواري يستمع لها فقال لي في اذني .. هذه العصفورة مجنونة لأنها تظن أنها ستغير الكون والبلاد ومتحمسة لكنها سوف تصطدم بالواقع الذي يقول " يا فصيح لمن تصيح ".. قالت لي العصفورة ما الذي يقوله ابنك ؟ لكني قلت لها كلام بيني وبينه سأخبرك به فيما بعد .. فحاولت مغالطتها حتى لا تعرف أن ابني وصفها بالجنون فقلت لها .. المهم رسالتنا هذه المرة هي أولاً للحكومة التي يجب عليها أن تقوم بواجبها تجاه هذه الظاهرة وتعمل للقضاء عليها وفق أساليب علمية وحديثة وتستفيد من هيئة الزكاة وأموالها التي تبعثرها هنا وهناك دون حساب وأن يكون هناك مشروع لمكافحة التسول يبدأ بجمع المعلومات عن الظاهرة ويتواصل بجمع هؤلاء الناس وتصنيفهم ووضع الحلول لهم والعمل على إقامة وتنفيذ مشاريع تمكين اقتصادي واجتماعي لهم والاستفادة من تجارب بلدان مثل ماليزيا وسنغافورة وغيرها التي حولت مستحقي الزكاة إلى دافعين لها .. قالت لي العصفورة هل يمكن أن تسمعنا الحكومة وهيئة الزكاة وتعمل مشروع لهؤلاء الناس والقضاء على هذه الظاهرة التي تزداد توسعاً وانتشاراً أم أنهم سيظلون كما عهدناهم " أذن من طين واذن من عجين" أو كما هو شعارهم " قولوا ما شئتم ونحن نعمل ما نريد " ؟ فقلت لها نتمنى أن يسمعوا ما نقوله لهم ونأمل من هيئة الزكاة أن تحضر وأن لا يستمر غيابها واشغال نفسها بأمور أخرى ومشاريع السلة الغذائية التي لا تسمن أو تغني من جوع أو توزيع مبالغ مالية بسيطة سرعان ما تنتهي .. قالت بالفعل نحن بحاجة إلى مشاريع عملاقة زراعية وصناعية وتجارية واجتماعية بحجم الهيئة وكما يقول الشاعر " على قدر أهل العزم تأتي العزائم" قم تركتنا العصفورة وطارت في الجو لتبحث عن مواضيع جديدة بينما عدت انا وابني وصديقي الصغير إلى البيت .



مقالات أخرى للكاتب

  • لقطات رمضانية(26)..بروج عاجية ومصارف غائبة
  • لقطات رمضانية.. تجارة رابحة
  • لقطات رمضانية (15)..كورونا ساعة الخطر..

  • التعليقات

    إضافة تعليق